محمد بن جرير الطبري
534
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
فلما أصبحوا جاءه صارخ فصرخ على باب المدينة : يا ملك بني إسرائيل ، ان الله قد كفاك عدوك فأخرج ، فان سنحاريب ومن معه قد هلكوا فلما خرج الملك التمس سنحاريب فلم يوجد في الموتى ، فبعث الملك في طلبه ، فأدركه الطلب في مغاره وخمسه من كتابه أحدهم بختنصر ، فجعلوهم في الجوامع ، ثم أتوا بهم ملك بني إسرائيل ، فلما رآهم خر ساجدا من حين طلعت الشمس حتى كانت العصر ، ثم قال لسنحاريب : كيف ترى فعل ربنا بكم ؟ ا لم يقتلكم بحوله وقوته ونحن وأنتم غافلون ! فقال سنحاريب له : قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ، ورحمته التي رحمكم بها قبل ان اخرج من بلادي ، فلم أطع مرشدا ولم يلقني في الشقوة الا قله عقلي ، ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم ، ولكن الشقوة غلبت على وعلى من معي فقال ملك بني إسرائيل : الحمد لله رب العزة الذي كفاناكم بما شاء ، ان ربنا لم يبقك ومن معك لكرامة لك عليه ، ولكنه انما ابقاك ومن معك إلى ما هو شر لك ولمن معك لتزدادوا شقوه في الدنيا ، وعذابا في الآخرة ، ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا ، ولتنذروا من بعدكم ، ولولا ذلك ما أبقاكم ولدمك ودم من معك أهون على الله من دم قراد لو قتلته ! . ثم إن ملك بني إسرائيل امر أمير حرسه فقذف في رقابهم الجوامع ، وطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس ، وكان يرزقهم كل يوم خبزتين من شعير ، لكل رجل منهم ، فقال سنحاريب لملك بني إسرائيل : القتل خير مما تفعل بنا ، فافعل ما أمرت فامر بهم الملك إلى سجن القتل ، فأوحى الله إلى شعيا النبي : ان قل لملك بني إسرائيل يرسل سنحاريب ومن معه لينذروا من وراءهم ، وليكرمهم وليحملهم حتى يبلغوا بلادهم فبلغ النبي شعيا الملك ذلك ، ففعل ، فخرج سنحاريب ومن معه حتى قدموا بابل ، فلما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده فقال له كهانه وسحرته : يا ملك